مسائل وقواعد في الاحتساب.. للدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الوطبان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:فلما كانت الحسبة مناط خيرية هذه الأمة، وسفينة نجاتها؛ كثرت في بيان فضلها ووجوبها وضرورتها وفقهها ومسائلها المؤلفات والأبحاث، وقد زخرت مكتباتنا -العامة والخاصة- بتلك الثروة العلمية الاحتسابية التي تركها لنا أئمتنا وعلماؤنا، بيد أنّ أساليب الباحثين ومناهجهم في طرق التأليف قد تنوعت، فمنهم المطوِّل، ومنهم المختصِر، ومنهم المستوعب، ومنهم المقتصِر، وفي كل كتاب من الفوائد ما يفتقده الآخر. من هنا جاءت فكرة تأليف هذه الرسالة لتجمع -بعد الاستقراء والتتبع- متفرقها، وتنظم شتاتها، وتقرّب معانيها، في قواعد جامعة، تتميز بالإيجاز في الصياغة، مع عموم المعنى، وسعة الاستيعاب، لتكون قريبة المأخذ، سهلة التناول، تيسيرا للعلم، وإعانةً على حفظ القواعد الكلية للاحتساب، مع اختصار لكثير من الجهد والوقت، وقد أودع فيها جامعها "اثنين وعشرين" مسألة متنوعة من المسائل المتعلقة بالحسبة.

تعريف موجز بالرسالة:

- أصل هذه الرسالة محاضرة ألقيت في جامع الراجحي، وقد تم تفريغها ومراجعتها ورُئي نشرها لتعم الفائدة.

الرسالة من سلسلة إصدارات مركز المحتسب للاستشارات(3).

- مؤلفها الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الوطبان.

- تقع الرسالة في (40 صفحة) من الحجم المتوسط.

ابتدأ المؤلف -قبل شروعه في المسائل- بثلاث مقدمات مهمة تمهيدا وتقريبا للمسائل المدروسة في الرسالة، وتكلم في هذه المقدمات عن:

أولاً: ركائز الدعوة: وتحدث فيها عن ثلاثة ركائز دعوية مهمة "تضمن لمجتمعاتنا الإسلامية النهوض والوصول إلى الخيرية التي يريدها الله"(1) إن نحن اعتنينا بها والتفتنا إليها وسرنا عليها وأوليناها اهتمامنا:

• تربية الناس على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم- من خلال كل مجال يحقق ذلك.

• الوعظ العام والدعوة العامة التي يتم بها تذكير الناس ووصلهم بالله تعالى.

• الاحتساب والقيام بواجب الإنكار.

ثانياً: تعريف الاحتساب في اللغة والاصطلاح: وتحقيق التعريف الراجح للحسبة وهو تعريف الإمام الماوردي على ما اختاره المؤلف وذهب إليه.

ثالثاً: وختم هذه المقدمات بالسؤال التالي: (لماذا الحديث عن الاحتساب؟) وذكر ثلاثة أمور تدفعنا إلى الاهتمام والقيام بالاحتساب وهي:

• أنه مكمل لركائز الدعوة التي ذكرت آنفا.

• فشو المنكرات وانتشارها ومجاهرة أصحابها بها، مما يحتم علينا بالقيام بالاحتساب على تلك المنكرات وأهلها قبل أن "يترتب على ذلك من الآثار السلبية على ذلك المجتمع من العقوبات العاجلة والآجلة والنكبات والويلات والشرور التي تنتظر ذلك المجتمع الذي تُفعل فيه المعاصي" أهـ(2).

• منزلته في الكتاب والسنة، وتأكيد النصوص عليه، والترغيب فيه، والحث عليه، والوعيد على من فرّط فيه أو تساهل أو سكت عنه.

وبعد تقرير تلك المقدمات وتوضيحها شرع المؤلف في ذكر القواعد والمسائل الشرعية في الاحتساب مبتدأ بما يلي:

أولاً: الفرق بين الدعوة والاحتساب: فذكر أن هناك فرقا بينهما، وأن بينهما "عموم وخصوص" فالدعوة أعم من الحسبة إذ هي -أي الدعوة - متعلق بعموم الحث والإرشاد والترغيب في فعل الطاعة والترهيب من فعل المعاصي بشكل عام دون تخصيص فعلا أو نهيا معينا بأمر أو نهي بخلاف الحسبة، فمتعلق: "بمعروف معين تُرك فيتعلق الأمر بفعله، أو منكر معين فُعل فيتعلق الإنكار بهذا المنكر المعين الذي فُعل" أهـ(3)، ثم ضرب مثالا توضيحيا لذلك بخطيب الجمعة، فالخطيب يمارس من على منبره دورا دعويا عاما فيرّغب بالمعروف، ويحذّر من المنكرات على وجه العموم، وفي خطبة أخرى قد يقع منكر بعينه في حي أو مجتمع فيقوم الخطيب بالإنكار على هذا المنكر بعينه ويحذّر منه، ويحث الناس على الاحتساب عليه.

ثانياً: ذكر شروط الإنكار والاحتساب على المنكر وعدّ منها:

أن يكون المنكر ظاهرا لا خفيا، وأن لا يتوصل إلى المنكرات بالتجسس والترصد؛ فإن الشريعة نهت عن ذلك إلا أن يكون ذلك حول شخص تدور حوله الشبهات فللمحتسب التعرّف على منكره لإنكاره والرفع به لأولي الأمر.

ثالثاً: نقل عن الإمام السعدي رحمه الله قوله "بتصرف": أن الأمر بالمعروف إذا أُطلق وحده فيدخل فيه النهي عن المنكر والعكس كذلك، لأن ترك المنهيات من المعروف، كما أن ترك فعل المعروف أيضا منكر.

رابعاً: أنواع المحتسب، وهم نوعان كما ذكر أهل العلم: "متطوع"، و"صاحب ولاية" ثم ذكر فروقاً بينهم وهي:

• أن الحسبة على (المولّى) فرض عين، وكفاية على (المتطوع).

• وجوب التفرغ للاحتساب على (المولّى) بخلاف (المتطوع) فلا يجب عليه ذلك.

• أنّ (المولى) منصوب للاستعداء والطلب، وإذا طلب من قبل ولي الأمر وجب عليه الإجابة للإنكار، بخلاف (المتطوع) فلا يجب عليه ذلك.

• أن (المولى) يجب عليه تتبع المنكرات الظاهرة ليصل إليها بخلاف (المتطوع) فلا يجب عليه ذلك.

خامساً: نقلْ الاتفاق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث الجملة، وتحرير الخلاف في "نوع هذا الوجوب"، وتحقيق أنّ الراجح أن يقال: "فرض على الكفاية ويتعين في المواضع التالية"(4) ثم ذكر هذه المواضع وهي:

• الإنكار القلبي، فهو واجب عيني على الجميع لأنه مقدور للكل.

• التفرد بعلم وجود المنكر ووقوعه دون سواه.

• التعيين من السلطان.

• انحصار القدرة على شخص أو أشخاص دون الآخرين.

• أن يقوم به من لا يكفي فيصير فرض عين على عموم المسلمين.

سادساً: شروط الاحتساب، ومنها ما هو متفق عليه ومختلف فيه، فالمتفق عليه: الإسلام، والتكليف، والاستطاعة وهي القدرة.

سابعاً: قيود (العجز) الذي يسقط وجوب الاحتساب في حق صاحبه، وهي ثلاثة قيود:

• الأول: العجز الحسي والبدني.

• الثاني: العجز العلمي، وهو الجهل بالحكم.

• الثالث: الخوف من الأذى الذي يغلب على الظن وقوعه.

ثامناً: ومتعلقة بالتي قبلها، فبعد تقرير أن العجز يسقط الوجوب غير أنه يجوز الأخذ بالعزيمة فيقوم بالإنكار بشرط عدم الفتنة.

تاسعاً: إذا ترتب على إنكاره إضرار بغيره من أهله وأصحابه فيحرم في حقه الاحتساب، كما نص على ذلك الغزالي وغيره.

عاشراً: درجات إنكار المنكر وأحكامها، وهي أربعة:

• الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.

• الثانية: أن يخف وإن بقي بعضه (والحكم فيهما الوجوب).

• الثالثة: أن يتساويا (وهذا محل اجتهاد ونظر المحتسب).

• الرابعة: أن يخلفه ما هو أنكر وأشرّ منه (فهذا يحرم فيه الإنكار).

الحادي عشر: العدالة ليست شرطا في المحتسب على ما اختاره المؤلف، لكن لا يعني ذلك أنه لا يلام، وقد يتوجه اشتراط العدالة في المحتسب (المولى).

الثاني عشر: لا يشترط لإنكار المنكر إذن الإمام على ما اختاره الجمهور، لكن لا يعني ذلك الدعوة إلى الفوضى.

الثالث عشر: الذكورة ليس شرطا في المحتسب على ما اختاره المؤلف، فللمرأة أن تحتسب في حدود مجالاتها، وقد يتوجه اشتراط الذكورة في المحتسب (المولى).

الرابع عشر: لا يشترط في المحتسب بلوغ درجة الاجتهاد في العلم، بل يكفيه أن يكون عالما بما يأمر وبما ينهى.

الخامس عشر: وهي مرتبطة بما قبلها، وهي قاعدة:"لا إنكار في مسائل الاجتهاد"، والتحقيق أنّ فيها تفصيلا:

• فإن كان الخلاف قويا وتعضده الأدلة، والقائل به من أهل العلم؛ فهذا لا ينكر على صاحبه.

• وإن كان الخلاف ضعيفا من جهة أدلته، أو من جهة شذوذ القائلين به؛ فهذا فيه إنكار.

واختار المؤلف تفصيلا آخر مفاده:

إن كان هناك في مجتمع أو بلد ما قولٌ سائدٌ فإنه ليس لك أن تأتي بقول مخالف، ولو كان لك فيه دليل مادامت الأدلة تعضد القول السائد؛ لأن ذلك مما يحدث الفوضى ويكثر القيل والقال، وليس معنى ذلك أن نقرّ القول السائد ولو كان مخالفا.

السادس عشر: لا يشترط في المحتسب أن يكون حرّا، وقد يتوجه اشتراط ذلك في المحتسب (المولى).

السابع عشر: الأصل في الإنكار باليد أنه مشروع، ولا دليل على استثنائه، لكن مع مراعاة المصالح الشرعية في الإنكار، فإن ترتب على الإنكار باليد منكر أكبر منه فلا يجوز، ولذلك لا بد لمن يحتسب باليد أن يراعي القيود الأربعة التالية:

• القيد الأول: أن لا يمكن دفع المنكر بغير اليد.

• الثاني: أن لا يترتب عليه منكر أكبر أو تفويت مصلحة أعظم.

• الثالث: أن لا يكون الإنكار بالسلاح والمنازلة.

• الرابع: أن يقتصر على إيقاف المنكر فقط دون تعزير صاحبه.

الثامن عشر: المقصود الأعظم من الاحتساب هو القيام بالواجب والإعذار إلى الله وليس زوال المنكر فقط.

التاسع عشر: وسائل الاحتساب اجتهادية كوسائل الدعوة، يجوز استخدامها إذا كانت منضبطة بالشرع ويرجى نفعها.

العشرون: مراعاة الرفق في الاحتساب والبعد عن العنف والشدة ونحو ذلك من أخلاقيات المحتسب التي نص عليها الشارع، لكن لا يعني ذلك ترك الحزم عند الضرورة لكن من غير تجاوز أساليب الشرع.

الحادي والعشرون: الاحتساب هو أعظم وسيلة لتحقيق وحفظ الضروريات الخمس التي جاءت بها الشريعة.

الثاني والعشرون: أكثر عوائق الاحتساب متوهمة والحقيقي منها قليل.

وفي الخاتمة: أكّد المؤلف على ضرورة القيام بواجب الحسبة والتحذير من التكاسل أو التغافل عنه، وكذلك حذّر من المنكرات التي عمّت وطمّت المجتمعات، وأنه لا سبيل للتخلص منها.

__________________________________

(1) ص5.

(2) ص11.

(3) ص13.

(4) ص17.