(حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حقيقته وأركانه ومجالاته)(1)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فإن كتاب: (حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حقيقته وأركانه ومجالاته) للدكتور: حمد بن ناصر العمار، كتاب متوسط الحجم، يحتوي على مقدمة، وأربعة فصول، وخاتمة، وعدد صفحاته (204) صفحة، وهو كتاب سهل ونافع في بابه،

فقد بيّن الكاتب في مقدمة هذا الكتاب: أن الله -جل وعلا- جعل سبيل المؤمنين واحد، ومن ضل عنه رُد إليه بالحسنى عن طريق هذه الشعيرة العظيمة، وهي شعيرة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

ثم بيّن أن أمراض القلوب بالمعاصي أشد خطراً من أمراض الأبدان؛ ولذا شرع الله -عز وجل- القيام بفريضة الحسبة، وأوجبها على هذه الأمة؛ لتكون سبباً لنجاتها من الهلاك والخسران؛ وفوزها بالفلاح والغفران، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[العصر1-3].

وأشار إلى أن الدعاة إلى الله قد ورثوا هذا الأمر (الحسبة) من ميراث النبوة، وهم بين مقل ومكثر فيه، وأن العلماء قد سطروا بجهودهم قبل مؤلفاتهم جهوداً كبيرة في مجال الاحتساب، من خلال ما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، اللذين هما المصدرين الأساسيين لأحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثم انتقل المؤلف إلى التمهيد الذي اشتمل على:

- معنى المعروف: فعرّفه بأنه: كل ما يعرفه الشرع، ويأذن به، ويمدحه، ويثني على أهله, ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وفي مقدمتها توحيد الله، والإيمان به.

ومعنى المنكر: وهو كل ما ينكره الشرع، وينهي عنه، ويذمه، ويذم أهله، ويدخل في ذلك جميع المعاصي والبدع، وفي مقدمتها: الشرك بالله، وإنكار وحدانيته، أو ربوبيته، أو أسمائه وصفاته.

وأشار المؤلف إلى أنه إذا أطلق الأمر بالمعروف من غير ذكر النهي عن المنكر، فإنه يدخل فيه، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف، وأنه لا يتم فعل الخير إلا بترك الشر، وكذلك العكس، وأما عند اقتران أحدهما بالآخر فيفسر المعروف بفعل الأوامر، ويفسر المنكر بترك النواهي.

ثم عرف الحسبة في اللغة، وتطرق إلى أن لها عدة معاني في اللغة، منها: (طلب الأمر - الإنكار - والظن - وغيرها) وسرد عدة تعريفات اصطلاحية للحسبة، وكلها تدور حول: الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله.

ثم بعد تعريف النصيحة في اللغة والاصطلاح حاول المؤلف التفريق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحسبة، والنصيحة، فذكر أن من أهل العلم من يجعل الحسبة هي الولاية الرسمية، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو يشمل ولاية الحسبة وغيرها، ومنهم من يجعلهما بمعنىً واحد، أما النصيحة: فهي أعم من الحسبة ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي أمر ونهي وزيادة.

ثم ذكر المؤلف فروقاً بين المتطوع والمحتسب، وذكر منها:

أن الحسبة متعينة على المحتسب بحكم الولاية، فلا يجوز أن يتشاغل عنها، بل عليه البحث عن المنكرات الظاهرة وإنكارها، بعكس المتطوع في كل ذلك.

وأن للمحتسب أن يتخذ أعواناً، وله أن يعزر في المنكرات الظاهرة، ولا يتجاوز إلى الحدود، وله أن يرتزق من بيت المال، وليس للمتطوع ذلك.

وفي الفصل الأول من الكتاب ذكر المؤلف فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

وذكر:

- أن من أهم المهمات، وأفضل القربات التناصح والتوجيه.

- أن هذه الفريضة لها منزلة عظيمة، بل قد عدة بعض العلماء الركن السادس من أركان الإسلام.

- وقدمه الله -عز وجل- عن الإيمان بالله، كما في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [ آل عمران:110].

- وقدمه الله -جل وعلا- على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، كما في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة:71].

- وجعله الله -سبحانه وتعالى- من صفات الممكنين في الأرض، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحـج:41].

ثم سرد المؤلف عدة أحاديث في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منها: حديث النعمان بن بشير:«مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً»(2).

ثم ذكر المؤلف في الفصل الثاني حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

ونقل إجماع العلماء على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والذي نقله عن ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل [5- 19] والنووي في شرح مسلم [2-22].

وتطرق المؤلف إلى مسألة: هل هو فرض عين أم فرض كفاية؟ وذكر قول الجمهور: أنه فرض كفاية، ومنهم:

"الجصاص في أحكام القرآن (2-29) والماوردي في الأحكام السلطانية (ص391) وأبو يعلى الحنبلي في الأحكام السلطانية (ص284) والغزالي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص6) وابن العربي في أحكام القرآن (1-292) والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (4- 165) وابن النحاس في تنبيه الغافلين (ص22) وابن قدامة في منهاج القاصدين (ص131) والنووي في شرح مسلم (2-23) وابن تيمية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(ص14) والشوكاني في فتح القدير (1-450)".

وأشار المؤلف إلى القول الآخر، وهو أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين، وهو قول جماعة من العلماء ومنهم: ابن كثير في التفسير (1-390) والزجاج في معاني القرآن وإعرابه (1-462- 463) وابن حزم في المحلى (10- 505) ومحمد عبده في تفسير القرآن الكريم (2-27) ومحمد رشيد رضا في تفسير المنار (4- 26- 28) ومحمد أبو زهرة في الدعوة إلى الإسلام (ص42).

ثم أشار المؤلف إلى الحالات التي يتعين فيها إنكار المنكر، وذكر منها:

1- التعين من قبل ولي الأمر.

2- التفرد بالعلم بموجب الأمر والنهي.

3- انحصار القدرة في أشخاص محددين.

4- تغيير الأحوال (عند قلة الدعاة).

ثم في الفصل الثالث ذكر المؤلف أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهي أربعة:

1- المحتسب.

2- المحتسب عليه.

3- المحتسب فيه.

4- نفس الاحتساب، وذكر شروط كل ركن (المتفق عليها، والمختلف فيها).

ثم في نهاية الفصل ذكر المؤلف صفات الآمر بالمعروف (المحتسب وآدابه) وذكر منها:

[الإخلاص - العلم - القدوة الحسنة - الرحمة - التثبت وعدم الأخذ بالظنون - الرفق - الصبر - تقدير المصالح والمفاسد]

وذكر في تقدير المصالح والمفاسد ثلاث حالات:

1- إذا رجحت المصلحة على المفسدة.

2- إذا رجحت المفسدة على المصلحة.

3- إذا تساوت المفسدة على المصلحة، وذكر حكم كل حالة.

وذكر الركن الثاني (المحتسب عليه) وقسمه إلى ثلاثة: (أن يكون من عامة الناس - أن يكون من العلماء - أن يكون من الولاة) وكيفية الاحتساب على كل نوع.

ثم تطرق إلى ذكر الاحتساب سراً وعلناً، ومفهوم السر، ومفهوم العلن.

ثم ختم بوصايا للمحتسب على الولاة، وذكر منها: (الإخلاص - الترفع عن حظوظ النفس وشهواتها - التزام الصدق - الجرأة في الحق - الالتجاء إلى الأدعية المأثورة).

ثم ذكر الركن الثالث (المحتسب فيه) وشروطه، وذكر منها:

1- أن يكون منكراً يحذره الشرع، ويحذر من الوقوع فيه، سواء كان صغيراً أو كبيراً.

2- أن يكون موجوداً في الحال.

3- أن يكون ظاهراً بغير تجسس. (وذكر حدود الستر).

4- أن يكون معلوماً بغير اجتهاد.

ثم ذكر القائلين بمنع المحتسب من الإنكار في مسائل الاجتهاد، وهم: (الغزالي والنووي وابن النحاس).

وذكر القائلين بالتفصيل في هذه المسألة وهم: (الماوردي والإمام أحمد) وختم قائلاً: "والواقع أن الخلاف إما أن يكون سائغاً، وإما أن يكون غير سائغ" ولكل حكمه، ونقل كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة.

وانتقل إلى ذكر الركن الرابع والأخير (الاحتساب) ودرجاته، وهي:

1- التعرف على المنكر.

2- التعريف والتعليم.

3- النهي بالوعظ والنصح والتخويف من الله.

4- الغلظة في القول.

5- التهديد والتخويف.

6- التغيير باليد.

7- شهر السلاح، وهذه آخر الدرجات، ولا تكون إلا بأذن السلطان.

وفي الفصل الرابع والأخير ذكر المؤلف درجات إنكار المنكر، وهي كما بينها ابن القيم:

1- أن يزول المنكر ويخلفه ضده.

2- أن يقل المنكر وإن لم يزل بجملته.

3- أن يخلف المنكر ما هو مثله.

4- أن يخلف المنكر ما هو شر منه.

وذكر المؤلف الأمثلة على هذه الدرجات كما ذكرها ابن القيم في أعلام الموقعين [3- 4-5].

وفي الخاتمة: ذكر المؤلف سنن الله في الصراع بين الحق والباطل، وإن حجم الفساد في المجتمعات قد يكبر ويتضاعف، وأن الله قد تفضل على هذه الأمة أنه مهما بلغ حجم المنكرات فيها فإنه سبحانه يغرس غرساً يستعملهم في طاعته، يواجهون المنكرات، ويغرسون الفضائل.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

________________________________________

(1) للدكتور: حمد بن ناصر بن عبد الرحمن العمار عضو هيئة التدريس بقسم الدعوة والاحتساب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض - الطبعة الأولى - 1417هـ 1997م - مركز الدراسات والإعلام - دار اشبيليا - الرياض.

(2) أخرجه البخاري في كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه (2/882- 2361).